الدكتور عبدالله أحمد فرج
حين تتحول شجرة إلى مناسبة وطنية، فإنها لا تعود مجرد عنصر أخضر يزيّن المشهد، بل تصبح رمزاً يحمل رسالة أعمق: أن جمال المدن لا ينفصل عن حماية الأرض، وأن التنمية الحقيقية هي التي تترك أثراً أخضر يمتد إلى المستقبل.
ومن هنا تكتسب دعوة سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع رئيس المجلس التنفيذي لإمارة دبي ،للاحتفاء بـ«شجرة الشعلة» ضمن «موسم الشعلة» أهمية تتجاوز حدود المناسبة، لتضع التشجير وتجميل المدن والاستدامة ومواجهة التصحر في قلب المشهد المجتمعي.
فالمبادرة لا تبدأ لحظة غرس الشجرة فحسب، بل منذ مرحلة التحضير لها. قبل أن تستقر شجرة الشعلة في موقعها، تبدأ عملية متكاملة لإعداد المساحة المحيطة بها، وتصميم المشهد، واختيار النباتات المناسبة، وتنسيق العناصر الطبيعية بصورة تجعل من الشجرة نقطة جذب بصرية وبيئية في آن واحد.
وهنا يتحول تجميل المدينة إلى مفهوم أوسع من مجرد الزخرفة؛ فالجمال المستدام هو ذلك الذي يستمد حضوره من الطبيعة، ويجعلها جزءاً أصيلاً من هوية المكان وحياة المجتمع.
وفي مدينة مثل دبي، التي نجحت في صياغة تجربة حضرية استثنائية وسط البيئة الصحراوية، يمكن لشجرة الشعلة أن تصبح رمزاً جديداً للعلاقة المتوازنة بين الإنسان والصحراء، وبين التنمية والحفاظ على البيئة.
فزراعة الأشجار ليست مجرد زيادة في رقعة المساحات الخضراء، وإنما مساهمة مباشرة في تحسين جودة البيئة، وتوفير الظل، ودعم التنوع النباتي، والحد من آثار التصحر، إلى جانب ترسيخ ثقافة مجتمعية تقوم على العناية بالأرض والمحافظة على مواردها للأجيال القادمة.
ومن هذا المنطلق، يمكن أن تتحول الاستعدادات لـموسم الشعلة إلى ورشة بيئية وجمالية واسعة تمتد في مختلف مناطق المدينة؛ تبدأ بزراعة الأشجار والنباتات المحلية، وتشمل إعادة تأهيل المساحات المحيطة، وإنشاء ممرات خضراء، وتخصيص مواقع للزراعة المجتمعية، وصولاً إلى إشراك المدارس والمؤسسات والأسر وأفراد المجتمع في مبادرات التشجير.
عندها، لا يكون المجتمع متفرجاً على الاحتفال، بل شريكاً في صناعته.
وهذه المشاركة هي التي تمنح المبادرة بعدها الأعمق؛ فحين يزرع طفل شجرة، أو تشارك أسرة في تشجير مساحة عامة، أو تتبنى مؤسسة موقعاً أخضر، تتحول الاستدامة من مفهوم نظري إلى ممارسة يومية، ويصبح الحفاظ على البيئة مسؤولية مشتركة وثقافة تتوارثها الأجيال.
والأجمل أن تبقى شجرة الشعلة بعد انتهاء الموسم، لا باعتبارها أثراً لمناسبة عابرة، بل شاهدة على فكرة أكبر وأكثر استدامة: أن كل شجرة نزرعها اليوم هي استثمار في صورة المدينة وجودة الحياة فيها غداً.
فمواجهة التصحر لا تبدأ دائماً بالمشروعات الكبرى؛ قد تبدأ من مساحة صغيرة، ومن مبادرة مجتمعية، ومن شجرة واحدة، ثم تنمو الفكرة وتتسع حتى تصبح ثقافة راسخة وسلوكاً مجتمعياً مستداماً.
إن موسم الشعلة قادر على أن يكون احتفالاً بالجمال، ولكن الجمال الذي نحتاج إليه ليس جمالاً مؤقتاً ينتهي بانتهاء المناسبة، بل جمالاً ينمو، ويزهر، ويمنح المدينة حياة جديدة عاماً بعد عام.
فالمدينة الجميلة ليست فقط تلك التي تتألق بالزينة، وإنما المدينة التي تزداد خضرة، وتحافظ على بيئتها، وتصنع من كل شجرة حكاية للمستقبل.
وحين تُزهر الصحراء، لا يتغير لون المكان فقط… بل تتغير علاقتنا به.

