إبراهيم أبو حويله .
نستطيع وضع مدونة سلوك وضبطها ضمن أطر ونقاط ومحددات وأدلة، وهي ضرورية جدًا وملحّة في ضبط سلوك الفرد، وسلوك المواطن، وسلوك المسؤول، وسلوك الموظف في القطاعين العام والخاص، بل وسلوك كل فرد في المجتمع.
ولكن لماذا نحتاج إلى مدونة سلوك فردية يتعلمها الواحد منا في المدرسة والجامعة والوظيفة والحياة بشكل عام؟
لأن الكثير منا لا يدرك أهمية السلوك الفردي وأثره على المجتمع، وعلى الآخرين، بل وعلى نفسه في نهاية المطاف.
فعندما تتعامل مع إنسان ياباني، تشعر بمدى الانضباط الفردي عنده، ومدى احترامه للقواعد العامة، واحترامه للآخر، وللنظافة، وللدور، ولحقوق الآخرين، للكبير والصغير. كما ترى ذلك في جودة المنتج الذي يخرج من بين يديه، وفي المعيارية والنظافة التي يلتزم بها، حتى تأخذ منتجًا تشعر معه بالراحة والطمأنينة، وبالعدالة في السعر مقابل الجهد.
قد تكون هناك فئة قليلة جدًا غير ملتزمة، ولكن تبقى هناك سمعة عامة لهذا المجتمع.
وفي المقابل، عندما تتعامل مع بعض المجتمعات الأخرى، قد لا تشعر بأدنى قدر من الطمأنينة، ولا بالنظافة، ولا بجودة المنتج، ولا بعدالة السعر المدفوع. مع أنه أحيانًا قد يكون أفضل، ولكن ظلمته السمعة العامة لهذه الفئة.
هنا تدرك تمامًا أهمية مدونة السلوك المجتمعي، وأثرها على كل شيء في حياتنا، من العربة الصغيرة التي تبيع منتجات بيتية، إلى المصانع والمتاجر والمطاعم والمؤسسات، بل وحتى الوطن بأكمله.
هذه المدونة لا تتعلق فقط بهذه الجزئية، بل يجب أن تصل إلى مفاهيم حماية الآخر، وحماية حقوقه، وعدم التعرض لهذه الحقوق بالانتقاص أو التجاوز.
وهنا يحضرني موقف حدث عندما تعرض مغترب لحادث سير في دولة أجنبية. شعرت مواطنة كانت تمر في الطريق بأن هناك أمرًا غير طبيعي، مع أنه لا علاقة لها بالحادث. كان هناك نوع من التنمر على الغريب، ومحاولة من المواطن الآخر أن يأخذ حقه من خلال الصوت المرتفع والترهيب.
لكن تلك المواطنة وقفت تنتظر حتى قدوم رجال الأمن، وأدلت بشهادتها، وأعطت بياناتها الشخصية، وأبدت استعدادها للشهادة في المحكمة.
القصة هنا ليست حادث سير، بل قصة مبدأ، وحرص على إقامة العدل، وإعطاء الحقوق لأصحابها.
وهنا نستشعر معنى قول ابن تيمية رحمه الله:
إن الله ينصر الدولة الكافرة إن كانت عادلة، ولا ينصر الدولة المؤمنة إن كانت ظالمة.
هذا ليس مجرد فهم صحيح، بل هو سنة إلهية.
كم مرة تعرضنا لموقف يمكن فيه تجاوز الإجراء القانوني، ودفع الرسوم القانونية مقابل خدمة معينة، أو مبلغ بسيط؟
هي رشوة نعم، ومساهمة في هدم وطن نعم.
ولكن كم منا يلتفت إلى ضرر ذلك على وطن كامل؟
بل إن هناك من يعتبرها “شطارة”، وهي شطارة بمعناها الحقيقي، لكنها شطارة في التحايل على القانون والمساهمة في إفساد النظام العام.
لقد خسرنا كثيرًا على المستوى الفردي والمستوى المجتمعي بسبب هذه التصرفات، وبسبب عدم الالتفات إليها وتصويبها بشكل مباشر، مهما كانت العواقب الناتجة عن هذا التصويب.
وهنا يجب التأكيد على أن التصويب يجب أن يمر بمراحل تصويب صحيحة، ويكون في جوهره مجموعة من الأفعال التي لا تحدث شرخًا في المجتمع، ولا تصنع تطاولًا، ولا تعدل أمرًا صائبًا.
فلا يجوز تعديل سلوك لمجرد الشك فيه، أو لأنه لا يتفق مع ما نريد. بل يجب أن يكون السلوك الذي نريد تعديله متفقًا على أنه سلوك شاذ، وليس مجرد ظن أو شبهة.
الإعلام سلطة رابعة، وقوة رادعة، وسلاح قوي، يجب أن يتم توجيهه لكل من تسول له نفسه التجاوز على هذه المدونة، وفق قواعد وأطر واضحة، بحيث نضمن العدالة والنزاهة والشفافية في المجتمع.
ولا يجب أن يكون أداة ابتزاز أو وسيلة تغول، أو أداة لإعطاء حقوق لمن لا يستحقها.
وعندما تنضبط مدونة السلوك في المجتمع، يظهر أثر الأخلاق للجميع. عندها تصبح الأخلاق ليست مجرد تنظير على الآخرين، بل أسلوب حياة.
فالموضوع خطير، ويمس وطنًا كاملًا، وجيلًا قادمًا، ومقدرات الوطن وثرواته ومستقبله.

